منتدى مجتمع قبيلة الميدوب

مرحبا بك ضيفنا الكريم اهلا ومرحبا بك والبيت بيتك
منتدى مجتمع قبيلة الميدوب

تراث ثقافة حضارة تاريخ ناصع وحاضر مشرق

المواضيع الأخيرة

» مبروووك للهلال
الثلاثاء يونيو 21, 2016 5:43 pm من طرف مالك ادم

» لماذا نكتب ؟! ولماذا لا يكتبون
الثلاثاء يونيو 21, 2016 5:26 pm من طرف مالك ادم

» Inrtoduction to Midob Tribe
الخميس أكتوبر 23, 2014 9:10 am من طرف Rashid Abdelrhman Ali

» الشباب والنوع الاجتماعى
الأحد مايو 25, 2014 3:45 pm من طرف alika hassan

» رئاسة الجمهورية تصدر بيانا حول التناول السالب للقضايا الأمنية والعسكرية والعدلية
الثلاثاء مايو 20, 2014 2:08 pm من طرف مالك ادم

» مفهوم الردة في الإسلام
الإثنين مايو 19, 2014 2:54 pm من طرف مالك ادم

» عيد مبارك عليكم
الجمعة أكتوبر 25, 2013 5:54 am من طرف omeimashigiry

» التحضير للمؤتمر الجامع لقبيلة الميدوب
الأربعاء أكتوبر 16, 2013 1:33 pm من طرف Rashid Abdelrhman Ali

» ماذا يجب أن نفعله في رمضان؟
الأربعاء سبتمبر 11, 2013 11:26 pm من طرف Ù…الك ادم

التبادل الاعلاني

تصويت

التبادل الاعلاني


    القبلية وأثرها على الوحدة الوطنية في السودان الدكتور/ عبد الوهاب إبراهيم الزين

    شاطر

    ود عين بسارو
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 14
    نقاط : 40
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 15/06/2009
    العمر : 51

    القبلية وأثرها على الوحدة الوطنية في السودان الدكتور/ عبد الوهاب إبراهيم الزين

    مُساهمة من طرف ود عين بسارو في الخميس يناير 06, 2011 5:57 am

    المقدمة:
    تعتبر قضية السلام والوحدة الوطنية في السودان واحدة من أهم القضايا الراهنة سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي. فما إن وضعت الحرب الأهلية أوزارها في الجنوب، حتى انشغل العالم بالوضع المتأزم في دارفور ودوافعه ومكنوناته. وبدا للبعض أن السودان يعاني من أزمة حقيقة في هويته، كمابدأ هذا البعض يتساءل ما إذا كانت الصراعات الجهوية فيه قسمة بين هويته العربية وهويته الأفريقية. وهل تعاني الدولة السودانية من أبنية عرقية وقبلية وما يرتبط بها من سلوك استعلائي قد يمتد إلى الحقل السياسي ومضمار السلطة والحكم والاقتصاد؟ وهل ظهرت الهويات العرقية، والتمييز على أساس الانتماء الديني والحضاري، بدخول العرب المسلمين واستقرارهم في السودان؟ وهل أصبحت هناك هويتان متميزتان منذ ذلك الوقت؟ هوية عروبية العرق والتاريخ والثقافة، وأخري أفريقية التوجه والانتماء؟ وهل أصبحت فرضية كهذه واقعاً مؤثراً في تشكيل الإطار الاجتماعي والسياسي في السودان الدولة؟ أم هي مجرد جدل نظري لا يؤكده الواقع الاستقرائي، وتنفيه عوامل المزج والانصهار مع حركة التاريخ؟ وسواء أكانت هذه الفرضية تعبر عن واقع حقيقي أو عن مزاعم ادعائية من بعض العناصر السكانية لفرض هويتها على الآخرين، فإن وجود مثل هذه الفرضية في حد ذاته يشكل واقعًا خطيراً على الهوية الوطنية للسودان الأمة، وكيانه التكاملي، ووحدته السياسية. ذلك لأن وجود هويتين بأسانيدهما العرقية والثقافية في الدولة الوطنية مع نزوع إحداهما إلى فرض إرادتها على الأخرى، يفضي إلى الصراع المأزوم بين الهويتين، وإلى ما تترتب عليه من تكاليف تدفعها الهويتان معاً. أما وأن تظل هذه الفرضية مجرد وهم يتمسك به البعض دون أسانيد توجب هذا الوهم، فإن للوهم أيضاً آثاره المرضية والنفسية التي تفضي إلى علل عضوية تصيب جسم الوطن مما يستدعي استبطاناً حقيقياً في اصل الوهم لتجاوزه.
    لعل من أهم ما ينبغي الوقوف عنده ونحن بصدد الحديث عن الهوية العروبية وغيرها في السودان بعض التساؤلات التي تجيب عليها القراءة الموضوعية لتاريخ العرب وهوياتهم في السودان. وللنظر في الفرضية التي تقول بأن العروبة بنقائها العرقي، وبثقافتها الإسلامية موجودة كهوية غالبة لأهل السودان، ينبغي التساؤل عن هوية العرب الذين وفدوا إلى السودان وهوية المحليين الذين استقروا معهم. ولعل من أهم ما ينبغي التساؤل عنه في هذا الصدد، ما إذا كانت الجماعات العربية التي وفدت إلى السودان، كانت لها مقومات تعمل على تشكيل هوية خاصة بهم تميزهم عن غيرهم من المحليين. بمعنى آخر، هل العرب المسلمون الذين استقروا في السودان كانوا يشكلون في مجموعهم عناصر متجانسة ذات أصول سلالية واحدة؟ أم جاءت هذه الجماعات من أعراق متباينة، وقبائل شتى ومواقع مختلفة، ومن أرضيات اجتماعية وثقافية متعددة؟ وهل تمكنت تلك الجماعات العربية الوافدة من الاحتفاظ بسماتها العرقية وملامحها الثقافية جسماً موحدًا ومترابطاً بأواصر الصلات مع بعضها البعض رغم شقتي الزمان والتموضع؟ أم أن هذه الجماعات انصهرت في الجماعات المحلية حيثما استقرت وتمازجت ثقافاتها مع الثقافات المحلية وتداخلت تركيباتها الاجتماعية في التركيبات الاجتماعية المحلية؟
    ومن جانب آخر، تظل هناك تساؤلات عن مدى تأثير البيئات المحلية وعناصرها البشرية والحضارية في الجماعات العربية وبيئاتها الوافدة؟ وما إذا كانت للبيئة المحلية قدرة على صهر بيئة الوافدين لمشيئتها الطبيعية والحضارية، لتظل التوجهات المحلية غالبة على توجهات الوافدين، أم بدت هذه البيئات المحلية عاجزة أمام التيار العروبي، فانكفأت على نفسها وانزوت لتبقى الغلبة للتوجهات العروبية الوافدة؟ وهل ستظل جدلية الغالب والمغلوب قائمة لتنكفئ الهويتان معاً، وينكفئ المأزوم الحقيقي، الوطن الجامع لكل التعدديات
    تهدف هذه الدراسة إلى ما يلي:
    - تأكيد انتفاء عامل النقاء العرقي في المجتمعات السودانية نتيجة لعوامل تاريخية وبيئة وأنه لا مجال في السودان لعروبة نقية ولا لأفريقية خالصة.
    - التأكيد على أن الثقافات السودانية تأثرت في جملتها بمكونات محلية وإقليمية وعالمية وتفاعلت معع بعضها البعض لتشكل الثقافة السودانية المعبرة عن الشخصية السودانية.
    - التأكيد على أن القبيلية استحدثت في السودان بعد دخول العرب المسلمين السودان وأنها تقولبت إلى واقع مؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية.
    مدخل
    سنحاول البحث في تساؤلات الدراسة انطلاقاً من مقولات بعض الباحثين السودانيين التي تؤكد، أنه لا مجال في السودان لعروبة نقية ولا لأفريقيٌة خالصة. وإنما تظل عمليات الامتزاج تشكل هجيناً من كل الأعراق المحلية والوافدة. يقول محمد إبراهيم أبوسليم في هذا الشأن، "لقد استقبلت هذه البيئات عناصر جديدة أو تيارات جديدة وفدت إليها من الخارج واستجدت عليها ولكنها ظلت تبتلع هذه العناصر وهذه التيارات في جوفها وتهضم ثقافتها وتردها إلى وجدانها هي، فلا العرب الذين وفدوا عليها ظلوا عرباً خلصاً، ولا الحضور أقباطا، ولا المولودون مصريين، لقد تركوا أعراقهم وأضحت كل بيئة جديدة تدخل في إطار البيئات المتعددة وتسير معها نحو الانصهار"(1). أما مدثر عبد الرحيم، فيرى أن سكان السودان خليط من الأجناس والألوان، وأنه من الواضح أن امتزاجاً عرقياً قد حدث ولاسيما في المناطق الوسطى من البلاد. ويرى أن من الدلائل الواضحة على ذلك، ذلك التنوع الواسع في الألوان والملامح بين السودانيين الذين يختلفون في ذلك عن عرب الجزيرة العربية أو شمال أفريقيا(2). ويرى محمد عمر بشير، أن السودانيين ينقسمون إلى أربع مجموعات رئيسية هي: النوبيون والبجا والمتزنوجون والعرب. ويذهب في رأيه إلى أن السـودان أصبح منذ القرن السادس عشر الميلادي جزءً لا يتجزأ من العالم العربي والإسلامي(3).
    لقد تعمدنا أن ننطلق من آراء ثلاث من كبار الباحثين في التاريخ السوداني لما في هذه الآراء من رؤى ذاتية تفضي في النهاية إلي نتيجة واحدة. يتحدث الأول عن البيئات المحلية وقدرتها على ابتلاع القادمين وهضم ثقافاتهم، وكأنه يتحدث عن استنواب العرب أو استفراقهم. وأما الثالث وكأنه يتحدث من وجهة نظر تؤكد وجود هوية عربية غالبة وهويات محلية أقل أهمية من الهوية العربية الغالبة. إلا انه يذكر ضمن هذه الهويات غير العربية مجموعة المتزنجين الذين لم يحدد طبيعة اختلافهم عن الزنوج. ولعله يعني بذلك العرب الذين تزنوجوا أو الزنوج الذين استعربوا. وربما لصعوبة تصنيف السودانيين علي أساس عرقي خالص ، فإنه يعود إلى تصنيفيهم على أساس ثقافي وجغرافي إلى شمال عروبي أكثر تجانساً وجنوب أفريقي مميز عن الشمال. ولعل هذين الرأيين لكل من أبي سليم ومحمد عمر بشير، رغم أنهما منظوران من زاويتين مختلفتين، يعبران عن مقولة واحدة أكد عليها مدثر عبدالرحيم حين ذهب إلى أن العروبة تمتزج بالأفريقية في الأقاليم الشمالية امتزاجا تاماً يستحيل التمييز بينهما نظرياً.
    هوية العرب الوافدين إلى السودان
    أولاً: هوية العرب الوافدين قبل الإسلام
    يرجح التاريخ وفود العرب إلى أفريقيا لأغراض تجارية ووصولهم إلى السودان ومعرفتهم به في أزمان سابقة لظهور الإسلام. يؤكد على ذلك كولين ماكفيدي حين يشير إلى هجرات بعض من القبائل العربية واستيطانها في بعض من مناطق إريتريا الحالية ونزوحها من هذه الأراضي إلى الأراضي الكوشية في تاريخ يعود إلى حوالي عام 500 ق.م(4). وكما أن العرب المهاجرين كانوا على اتصال بالسودان قبل الإسلام وأنهم أقاموا موانئ على ساحل البحر الأحمر لأغراض تجارية، وقد استقر بعضهم على الساحل بينما توجه البعض الآخر إلى الدواخل، واستقر هؤلاء مع المحليين وتزاوجوا منهم واختلطوا بهم ونقلوا إليهم ثقافتهم العربية(5). ومثلما عرف العرب السودان في تلك الأزمان القديمة، فإن السودانيين من جانبهم كانوا على معرفة بالجزيرة العربية. بل إن بعضاً من العناصر السودانية قد استقرت في بعض من أراضيها التي منها المنطقة المعروفة حالياً بالهفوف في فترات تعود إلى ما قبل ظهور الإسلام(6). ولربما كانت هذه التداخلات القديمة بين العرب والسودانيين غير ذات اثر كبير في تغيير الأوضاع القائمة في كل من البيئة السودانية والبيئة العربية. فقد كانت البيئتان تشتركان في كثير من الخصائص الحضارية التي لها علاقة بالحضارات الشرقية. وربما كانت هناك قواسم مشتركة بين المحليين والوافدين من حيث المعتقدات والأصول الحضرية. فقد كان هؤلاء الوافدون يؤمنون مثل المحليين بسلطان المقدس الروحي الذي كان سائداً في جزيرة العرب قبل الإسلام. ولابد أنهم وجدوا في حرية المعتقد افي الممالك السودانية القديمة شيئاً مما يشجع على الاستقرار دون ضغوطات دينية. ومن ناحية أخرى كانت البيئة الحضرية التي هاجر منها هؤلاء العرب أشبه بالبيئة الحضرية السودانية. فقد كان معظم هؤلاء الوافدين الأوائل من التجار القادمين من البيئات الحضرية التجارية وممن وجدوا في البيئة الحضرية السودانية ما يوافق هواهم ونمط تجارتهم، فاستقر بعضهم فيها. وفي كل هذه المشابهات بين العرب الوافدين والمحليين السودانيين، ما يدعو إلى إمكانية قبول الوافدين في المجتمعات المحلية واندماجهم في الحياة الاجتماعية والسياسية دون أن يؤدي ذلك إلى أي نوع من التوترات في توازنات المجتمعات المحلية. لذا يمكن القول بأن العرب قد عرفوا السودان واستقر بعضهم فيه مشكلين بذلك عنصراً إضافياً إلى العناصر المحلية الأخرى التي ظهرت في المنطقة. وهذا ما يجعل الإنسان السوداني الأول لا يخلو من دماء عربية. ويجعل من حق العرب المسلمين الوافدين فيما بعد، الإدعاء بأن لأسلافهم شراكة في الحضارات السودانية القديمة .
    ثانياً: هوية العرب المسلمين الوافدين إلى السودان
    يتحدث التاريخ وأيام العرب عن الصراعات القبلية التي سادت جزيرة العرب في عصور ما قبل الإسلام. فقد كانت الأقوام التي سكنت الجزيرة العربية تستمد أصولها من أجناس مختلفة جمعتها اللغة باختلاف لهجاتها أكثر من وحدة الأصول العرقية. إذ أن كثيراً من الباحثين يجعلون من اللغة العربية ومن تكلم بها أساساً للأرومة العربية فكانت العرب البائدة والعاربة والمستعربة التي تفسر عروبتها على أساس اللغة العربية مقابل اللغات الأعجمية. وكما اعتبرت الشعوب البابلية والآرامية والآشورية في عداد الشعوب العروبية التي دخلت في تكوين الحضارة العربية، لذلك يمكن القول بأن الشعوب التي سكنت الجزيرة العربية لم تكن تتمتع بالتجانس العرقي ووحدة السلالة بقدر ما كانت عشائر وقبائل يسود فيها قانون الصراع القبلي بطابعه الصدامي والتنافسي، وتتميز بنعرتها العصبية التي تشتد مع بروز خطر يهدد أفراد القبيلة(7).
    بعد ظهور الإسلام واعتناق معظم القبائل العربية الدين الجديد، تمكن الإسلام من جمع القبائل العربية المسلمة إلى حظيرة الدين الجديد. ولأن الدين الجديد جاء بصفة الشمولية وعلى العكس من معظم الديانات السابقة التي اختصت بأقوام معينة، فقد انتفت في هذه العقيدة السمة القومية ذات الطابع العنصري من منطلق "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". في بداية الدولة الإسلامية كان "الديني" طاغياً على "السياسي" و"القومي" معاً ، ذلك لأن الرسول(ص) قد جمع في حياته ما بين "المقدسي" و"السياسي". فعمل على تنظيم شئون الأمة بتبليغ مباشر من الوحي. وتمثل دوره في جانبيٌ النبوة والقيادة الروحية والسياسية. وبهما ترجم الوحي الإلهي إلى مجتمع سياسي، جامعاً بذلك في حياته بين النظـرية والتطبيق(Cool. وكان بذلك المحور الذي تدور حوله الجماعات كمصدر لقيم العدالة العاملة على تنظيم هذه الجماعات باعتبارها جماعات الرسالة والوحي(9). وبانقطاع الوحي تمكن المسلمون القرشيون من تنظيم الدولة الإسلامية بإرساء قواعد الخلافة على هدى من المبادئ التي أرساها الرسول (ص). وفي العصر الراشدي الأول تقلد الصحابيان، الصديق ثم الفاروق مقاليد القيادة الدينية والسياسية بأولوية المجاهدة في سبيل الدين الجديد وبحسن الصحبة للرسول (ص). ولم يكن لاختيارهما الشوريٌ علاقة بالانتماء إلى بيت النبوة بقدر ما كان هذا الاختيار مبنياً على أسس الصحبة الوفية والمجاهدة الصادقة. وقد تمكن الشيخان، اللذان شهدا معترك الحياة القبلية قبل الإسلام، من المحافظة على التوازنات القبلية حديثة العهد بالدين الجديد. فتمكنا من المحافظة على هيبة المجتمع وسلامته ببقية من موقعهما القريب من سلطة المقدس، رغم ما اعترى المجتمع الإسلامي في عهديهما من فتن بدأت باختلافات يوم السقيفة في السنة الحادية عشرة للهجرة (632م) وعبرت عن بداية الصراع على السلطة. وفتنة المرتدين التي اعتبرت أول شرخ في جوهر العقيدة الجديدة، وقضايا مانعي الزكاة ومحنة عام الرمادة التي أصابت الدولة الإسلامية الناشئة في بنيتها الاقتصادية، ومآزق الخروج عن الطاعة وظهور مدعي النبوة المتطلعين إلى حيازة المقدس لأهداف سياسية .وقد أثبتت التجارب اللاحقة انفصام "السياسي" عن "الديني" حين لم يعد الانقياد الطوعي للتدابير النبوية مشروطاً على جماهير الأمة ما لم تلتزم القيادة السياسية بشروط البيعة، وحيث لا مجال للعصمة بعد انتقال المعصوم إلى الرفيق الأعلى، وما دامت تلك القيادات عرضة لتجربة الصواب والخطأ. فأصبح "السياسي" طاغياً على "الديني". " فكانت مساعي قريش وتحركاتها لفرض هيمنتها على باقي القبائل العربية، فكان الصراع بين البدو والحضر وبين قريش والأنصار، بل وبين القرشيين أنفسهم. وبدت العشائرية القبلية في حكم البيوتات الأموية والعباسية، مثلما اشتد الصراع على السلطة داخل البيت الواحد ولدرجة اعتماد المتصارعين أحياناً علي قوى خارجية لمساندة أسرة على أخرى لحيازة السلطة والحكم. إلا أن "الديني " أو "المقدسي" يظل في وجدان الناس في أي زمان ومكان في معظم المجتمعات. لذلك لم تعترف بعض الفرق والجماعات الإسلامية بشرعية أي سلطة سياسية ورفضت التبعية لأي حاكم. ولعل في هذا سبب كاف لإجبار الفاعلين السياسيين في الدولة الأموية والعباسية على توزيع أدوارهم ما بين المرجعية السياسية والمرجعية الدينية. ولعل الرجوع إلى المرجعية الدينية كان تسخيراً لخدمة الأهداف السياسية وبناء إمبراطورية قادرة على تجاوز التفكك الناجم عن نظام عشائري – طوائفي وذلك بتنغيم نموذج الحكم مع نموذج ديني شديد التعبئة بطموحه السياسي وبطابعه الواحدي(10).
    من هذه المجتمعات خرجت الهجرات العربية إلى السودان. من مجتمعات تتفرق بها السبل في إطارها المقدسي ما بين غلاة فرق الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرها، ناهيك من أن تتمكن من جمع العرب كأمة وتوحيدهم في إطار قومي يشكل قوة قومية في مجابهة القوميات الأخرى. مجتمعات ما زالت متأثرة بحمياتها القبلية القديمة ومرجعياتها البدوية والحضرية. مجتمعات تتصارع فيها قياداتها السياسية على السلطة وتستند على الشعوبية والطوائفية في تثبيت حكمها وديمومة سلطتها. لذا فإنه من المشكوك فيه أن يكون المهاجرون إلى السودان من مثل هذه المجتمعات، قادرين على تشكيل مجموعات متجانسة ذات أيديولوجية عروبية بمفهومها القومي والعنصري الشامل ولدرجة تمكٌن هذه المجموعات المهاجرة من أن تكون قوة عرقية مناهضة للأعراق التي تستقر معها.
    جاءت أفواج العرب إلى السودان أول ما جاءت بعد الإسلام، جماعات وفرادى، ومن أماكن متعددة، ومن أصول عرقية مختلفة، وخلفيات حضارية متباينة. ولعل مما يؤكد هذه التباينات اختلاف اللهجات العربية في الســودان. هذا الاختـلاف الذي اعتمد عليه عبد المجيد عابدين منهجية في رد القبائل العروبية في السودان إلى جذور قبلية وحضارية متباينة فيما بينها قبل وفودها إلى السودان(11). هذه القبائل كانت تختلف فيما بين البداوة الرعوية والحضرية التجارية والدينية، مثلما كانت تختلف في تموضعاتها الجغرافية في المواقع المختلفة. فقبائل جهينة التي انتقلت منها موجات كبيرة إلى السودان وتفرقت على بقاعه شرقاً وغرباً، نزحت أساسًا من منطقة الشمال الغربي من الجزيرة العربية التي سكنتها بطون من قضاعة وكهلان(12). جاءت هذه المجموعات مروراً بمصر وانتشرت في بقاع واسعة من السودان في عصر الفنج، واشتقت عنها قبائل كثيرة استقرت في مواقع مختلفة(13). ومن القبائل اليمنية نزحت بطون من سعد العشيرة من مذحج إلى صعيد مصر، ومنه تحصلوا في القرن الثالث الهجري على حق الإقامة في منطقة المريس من أرض النوبة. ومن قبائل غربي نجد هاجرت قبائل بنى هلال وبني سليم وبني فزارة، وجميعهم من قيس عيلان، اشتهر منهم الهلاليّون الذين وفدت بطون منهم إلى السودان ضمن حملة السلطان قلاوون على بلاد النوبة عام 686 هجري(14). ونزحت من القبائل الحضرمية مجموعات استقرت بشرق السودان منذ القرن الأول الهجري وعرفت محلياً باسم الحداربة تحريفاً من اسم القبائل اليمنية الأصل التي تعرف بالحضارمة. وجاءت مجموعة من بني حنيفة وسكنت أرض المعادن بالعلاقي وإليهم ينتمي الكنوز الذين يعيشون في شمال السودان وعلى النيل الأبيض شرقي الدويم(15). أما من منطقة الخليج فقد وفدت بنو ربيعة عام 328 هجري وتحالفوا مع البجة ضد عرب الحجاز ومضر وأجلوهم عن المنطقة. كما وأنهم تزاوجوا مع البجة فكان منهم البشاريون الذين انتشــروا على طول المناطق الشمالية الشرقية من السودان(16).
    نرى من خلال هذه الأمثلة من القبائل العربية التي هاجرت لتستقر في السودان، أنها جاءت من أصول عربية مختلفة ومن مواقع جغرافية متباينة. جاءت هذه القبائل وفيهم شيْ من العصبية القبلية وكثير من الولاء العشائري والتمذهب الطائفي ولا سيما في أوساط المجموعات التي هاجرت في العصرين الأموي والعباسي. فإذا ما تبين لنا أن المجموعات التي دخلت السودان، جاءت من مشارب شتى، بولاءات قبلية ومذهبية متباينة، ومن أرضيات حضارية مختلفة، فهذا يعني أن هذه المجموعات لم تكن متجانسة إلى حد تشكيل مجموعة عرقية أو حضارية واحدة مقابل المجموعات العرقية والمحلية في السودان. إذاً فلابد من أن هذه المجموعات اختارت أن تتمازج في العناصر المحلية وتنصهر فيها متنازلة بذلك عن عصبياتها السابقة. وربما كان في هذا الخيار ما حدا ببعض من هذه المجموعات التي جوبهت بتحديات محلية، ومن منطلقات اقتصادية، أن تسعى للاتحاد مع مجموعات محلية لتأسيس كيان سياسي يعمل على امتصاص النزاعات الاقتصادية حول المراعي في مناطق سوبا
    ثالثا: الأهداف الاستراتيجية للعرب الوافدين إلي السودان
    هناك نموذجان واضحان لأنماط الهجرات العربية، هجرات فردية أو في شكل مجموعات نجمت عن دوافع اقتصادية أو دينية. وهجرات أخرى تمت نتيجة للغزو والإزاحة وأدت إلى استقرار الفاتحين في البلاد التي تم فتحها بواسطة الجيوش الإسلامية. ولم يخلو النمط الآخر من أهداف اقتصادية ودينية وسياسية كانت مرتبة في أولوياتها حسب الحكم والقائمين عليه في مركز الخلافة في المدينة أو في دمشق أو في بغداد أو في غيرها من مراكز الحكم في الإمبراطورية الإسلامية. من ضمن هذه الأولويات يأتي الهدف السياسي من توجه الجيوش الإسلامية نحو الأمصار المختلفة، لإقامة نظام سياسي فيها وربطه بالخلافة الإسلامية. وبالفعل تمكن المسلمون من إنشاء مؤسسات سياسية وإدارية ونظام حكم قوي بما توفرت لديهم من قوة عسكرية وهيمنة على الاقتصاديات المحلية. ومن خلال هذه المؤسسات القوية وربما بأسباب من ضعف البيئات المحلية، مع وجود هيمنة أجنبية في هذه البلاد، تغلبت التوجهات الإسلامية في كثير من هذه الأمصار. وهذا ما أدى في كثير من الحالات إلى طمس الهويات المحلية وإذابتها في هوية الوافدين*. ولقد كانت الهجرات العربية الوافدة إلي السودان في غالبيتها من النموذج الأول. أي من ذلك النمط الذي تكون دوافعه اقتصادية. ولا نعتقد أن الجيوش الإسلامية قد اتجهت صوب السودان لإقامة ولاية إسلامية تتبع مركز الخلافة على غرار الولايات الإسلامية الأخرى، ذلك لأن العرب قد عرفوا طبيعة السودان وسمعوا عن مراعيه الخصبة وكنوزه المطمورة في بادية كوش، وعلى ما يؤكده المقريزي من وجـود الزمرد وأجود أنواع الذهب ومعادن الفضة والنحاس والحديد والرصاص وغيرها(17). هذه الطبيعة الاقتصادية كانت تغري المسلمين العرب بالتوغل في الأراضي السودانية بداية من وقت مبكر كانت فيه الخلافة الإسلامية مقبلة على أزمة اقتصادية حادة أدت إلى ما عرف بأزمة عام الرمادة. فقد تمكن عمرو بن العاص من فتح مصر سنة ست عشرة من ربيع الأول قبل عام الرمادة، وفكر في بعث جيوشه إلي السودان في تاريخ قريب جداً من عام الرمادة(18). ولابد أن ابن العاص كان يتطلع إلي تأمين تمويل اقتصادي من أرض الماء والكلأ والمعادن، ولاسيما والنيل كان يغيض في كثير من المواسم وتتعرض ولايته في مصر إلى الجفاف. يشير ابن أعثم الكوفي إلى مثل هذا لاستهداف الاقتصادي بقوله "أن فرقاً من جيش ابن العاص أخذت تغير على أموال النوبة ،.. فجاء رد النوبيين في الدفاع عن أموالهم في مائة رجل عزموا على حرب المسلمين ،.. فكانت حرباً لم يشهد المسلمون مثله من قبل .. فرجع ابن العاص دون أن يقدر منهم على أسير واحد ولا دينار واحد"(19), ولعل هذا الفشل العربي في إخضاع النوبة وتحقيق الأهداف الاقتصادية، هو الذي قاد ابن العاص إلى التركيز على الجانب الغربي من حدود ولايته، ومصالحة البربر على ثلاثمائة رأس من السبي ومثلها من الأنعام ومصالحة أهل برقة على خمسمائة من السبي وثلاثمائة غلام ومائتي جارية ومثل ذلك من الماشية(20). والملاحظ في هذه الاتفاقيات أنها أبعد ما تكون عن روح الدين الإسلامي وتعاليمه ومثله. وهي اتفاقيات تبدو اقتصادية التوجه ولاعلاقة لها بمبادئ الإسلام ولا بقيمه. وهي ذات التوجهات التي تبدو في نصوص الاتفاقية التي عقدها ابن أبي السرح عندما سأله النوبة الصلح فأجابهم إلى ذلك على ثلاثمائة رأس وستين من الرجال على أن يعطوا مقابله قمحاً وخلاً وخمراً وثياباً وفرشاً أو قيمتها(21)*. هذه الاتفاقية أشبه باتفاقيات التبادل التجاري في سلع مستهجنة التصدير عند كل طرف. إن تصدير رؤوس البشر سلعة يقايض بها الخمر والقمح، وصمة في جبين المصدر النوبي، وقبولها من الطرف الآخر وصمة أخرى في جبين حملة الرسالة السامية التي جاءت لترسي دعائم الحرية والكرامة الإنسانية. كما وأن فرض القمح على الجانب العربي وهو سلعة نادرة عند العرب فيه تعجيز لهم. هذا بجانب الخمور الواردة في نصوص الاتفاقية والتي يحرم على المسلمين حملها، ناهيك من أن تضمن في اتفاقية يلتزمون بها. ولعل في مثل هذه الاتفاقيات ونصوصها دلالات كافية على غلبة التوجهات الاقتصادية وجوانبها المادية في كل من حركتي الأفراد والجيوش الإسلامية التي دخلت الأراضي السودانية. وعليه فإن ابن أبي السرح لم يكن يزمع إنشاء ولاية إسلامية في السودان وإقامة حكم عربي كفكرة مسبقة ضمن استراتيجية مخططة، بقدر ما كان الهدف هو الحصول على مكاسب مادية بجانب تأمين الحدود الجنوبية لمصر من مناوشات السودانيين من البجا والنوبة. كما وأن فكرة نشر الإسلام على أصوله لم تكن مطروحة لدى أولئك البدو الذين أمٌنت لهم اتفاقية البقط التدفق جنوباً إلى المناطق الرعوية الخصبة. أولئك البدو الذين ما جاءوا حسب ما يقوله يوسف فضل، كدعاة متفرغين للدعوة الإسلامية، وإنما حمل لواء الدعوة من بعدهم الفقهاء من المحليين، كما كان الأمر مع النوبة والبربر والغالا(22). وبأسباب من وصول البدو إلى تخوم علوه الفتية، ولأهداف اقتصادية لا علاقة لها بالمركزية الإسلامية وخلافتها، تحالفوا مع قوى محلية صاعدة لتشكيل سلطة سياسية لحسم الصراعات التي كانت تدخل فيها القبائل العربية الوافدة مع الجماعات المحلية. تلك الصراعات التي تمثلت في "تعدد الصدامات القبلية لبسط النفوذ على المراعي أو في محاولات طرد المقيمين الأوائل أو الإغارة على المناطق النهرية"(23). وبقيام الاتحاد السناريٌ وبروز العبدلاب الذين ينتمون إلى عبدالله الجهيني كأقوى عشيرة من بين اثنين وخمسين قبيلة جهينية، بدأ الطابع القبلي يتقولب داخل التركيبة السياسية السودانية وبصورة أكثر وضوحاً.
    هوية البيئات السودانية عند وفود العرب المسلمين
    لقد تبين مما سبق أن العرب المسلمين جاءوا من بيئات متباينة ما بين الحضرية والبدوية، ومن مواقع مختلفة ما بين اليمنية والحجازية، ومن أصول قبلية متعددة ما بين العدنانية والقحطانية وغيرها من البيوتات والعشائر والقبائل العربية. وأكدنا على أن الهدف الاقتصادي كان هو الدافع الأساسي لوصولهم إلى السودان، وأنهم لهذا الهدف تحالفوا مع العناصر المحلية لتشكيل أول كيان سياسي أضفى الصبغة القبلية في الوسط والشمال السوداني في أوائل القرن السادس عشر وذلك على أنقاض الممالك السودانية القديمة والتي نفينا عنها صفة العرقية والتوجهات القبلية رغم إيماءات التسميات التي لا تدل إلا على هوية الأرض. فإذا كانت تلك هي طبيعة البيئات العربية الوافدة، فكيف كانت هي البيئات المحلية حين وفدت عليها البيئات العربية الجديدة وعملت معها على تشكيل القبلية الجديدة؟
    التعريف الإجرائي لمفهوم البيئات السودانية
    للوصول إلى فهم صحيح لما نعنيه هنا بالبيئات السودانية ، لابد من تعريف واضح لمصطلح البيئة ومؤشراته المختلفة. فالبيئة كما يعرفها قاموس اكسفورد هي تلك الأحوال التي تعبر عن طبيعة الأرض وما بها من مياه وما يحيطها من أجواء مناخية يحاول الإنسان والحيوان أن يتكيف معها لممارسة الحياة(24). وهي بهذا المفهوم تعني البيئة الطبيعية التي نشير إليها في هذا المبحث كعنصر واحد من العناصر المختلفة التي تشكل البيئة الكلية بجانب البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية. يذهب فلمان (J.D. Fellmann, 2003) إلى ربط السلوك البشري بالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها الناس، وتأثير تلك البيئة في تحديد سلوكهم وأنماط علاقات بعضهم بالبعض(25). ولأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا مع بعضهم دون وجود ثقافة أو طريقة حياة، فإن الثقافة السائدة بين مجموعة بشرية تعتبر كائناً واقعيًا تدخل في تصميم خصائص البيئة العامة للمجتمع وتعمل عملها في دواخل الأفراد دافعة بهم أن يسلكوا وفق طرق محددة وفارضة عليهم إطاراً علائقياً معيناً. كما تعمل خارج نطاقهم في الصور الجمعية التي ينبغي عليهم التطابق معها(26).
    وعندما يتكيف الناس مع البيئة الطبيعية عبر هذه الطرائق السلوكية المعينة، تنشأ في مجالها بيئة ثقافية تحدد علاقات الناس بعضهم بالبعض. ومادامت "البيئة تتمثل في سلوك مجموعة الأفراد الذين يعيشون في صعيد واحد ومجموع ما يحيط بهم، وما دام أولئك الأفراد قد يتأثر بعضهم بالبعض ويؤثر عليهم ما يحيط بهم، فكذلك الثقافة تتأثر بأولئك الأفراد، سائرة على قدر مطامعهم وتخيلاتهم فهي متأثرة بالبيئة وتكاد تكون خاضعة لها"(27).
    من هذه التعريفات المختلفة للبيئة يمكن أن نتوصل إلي تحديد مفهوم يمكن استخدامه إجرائياً في هذه الدراسة على النحو التالي:
    1-البيئة الطبيعية: وهي ما تتميز به رقعة معينة من خصائص يعبر عنها الموقع الجغرافي وأحوال المناخ والمصادر الطبيعية من مياه وموارد وغيرها. وهي العنصر الثابت الذي لا ينتقل من مكان إلى آخر، بقدر ما تتنقل مع الإنسان تأثيرات هذه البيئة بانتقال الإنسان من بيئة طبيعية إلى أخرى.
    2- البيئة البشرية: وتعبر عن الناحية التصنيفية للبشر بمنظور علم الأجناس وبمنظوره الأنثروبولوجي. وهي بيئة قابلة للتعديل أوالتغيير بانتقال الإنسان من بيئة طبيعية أو حضارية إلى بيئات أخرى تختلف في خصائصها .
    3- البيئة الحضارية: ويشير إليها البعض بالفضاء الثقافيcultural landscape وتتمثل في سلوك الأفراد ونمط العلاقات القائمة بين الأفراد في بيئة طبيعية معينة. وتتمثل في تراكمات الحدث المشترك بين الأفراد كالعادات والتقاليد واللغة والتاريخ المشترك. وهي قابلة للتأثير في البيئات الحضارية الأخرى والتأثر بها. تلاقح البيئات الحضارية تفضي إما إلى غلبة بيئة حضارية على أخري ومن ثم انكفاء البيئة المغلوبة وازدهار الأخرى، أو إلى انصهار البيئتين في بعضهما وإنتاج هجين من البيئتين، أو إلى تعايش البيئتين معاً في بيئة طبيعية واحدة.
    خصائص البيئات السودانية السائدة عند وفود العرب المسلمين
    رأينا تقسيم البيئات السودانية بوجه عام وبصورة مبسطة إلى بيئتين رئيسيتين من منظورها الطبيعي أوالجغرافي. وتقسم كل بيئة طبيعية إلى بيئات داخلية حسب الاختلافات في البيئات البشرية والحضارية. البيئتان الطبيعيتان الرئيسيتان هما: البيئة النيلية التي يمثلها النيل بفروعه وأوديته وضفافه وجزره وسهوله، وبكل ماله علاقة مباشرة بالحياة عليه. أما البيئة الأخرى فهي البيئة الصحراوية بما تمثلها من فيافي وبوادي وأودية. وقد تمثل في البيئتين الطبيعيتين كل أنواع البيئات الأخرى التي تفرزها البيئة الطبيعية من بيئات بشرية وبيئات حضارية. ووفدت عليها بيئات جديدة مضيفة ومعدلة في خصائصها البشرية والحضارية.
    أولاً: البيئة النيلية وخصائص النوبة
    شهدت البيئة النيلية قيام حضارات متعاقبة في مناطقها الشمالية وعند وفود العرب المسلمين، كانت هناك بيئة بشرية تمثلت في المجموعات التي عرفت بالنوبيين، وبيئة حضارية تمثلت في الإرث الحضاري الموروث عن الحضارات الكوشية القديمة، بجانب ما استجد عليها من الحضارة المسيحية التي أخذت طريقها إلى المنطقة وتجلت في قيام الممالك المسيحية الثلاث؛ نوباطيا ومقرة وعلوه. وللنظر في طبيعة البيئة البشرية، نرى ضرورة العودة إلى أصول أولئك الذين أسسوا هذه الممالك وعرفوا بالنوبيين، وما إذا كانت لهم علاقة سلالية بالعناصر التي سادت في الدولة المروية وقبلها في نبته وكرمه، وهل هم نفس النوبيين الذين ورد ذكرهم في النصوص القديمة؟ بالعودة إلى نهاية الدولة المروية التي نجد في كثير من مفرداتها علاقة باللغة النوبية الحالية، نجد ذكراً للنوبيين ضمن العناصر التي أخضعها الملك الاكسومي عيزانا وذلك في المحفورة التي عثر عليها لتمان Litmann)) على صخرة في اكسوم. يقول عيزانا في هذه المحفورة أنه"سليل هالين، وصاحب اكسوم وحمير وريدان وسبأ وسلحين وصيامو والبجا، ملك الملوك حاكم كاسو، من صارع النوبة ويد الله في يده"(28). إن هذه الكلمات التي يمجد بها عيزانا انتصاراته تستدعي الوقوف عندها للنظر في اسم النوبة الذي ورد بشكل مستقل عن اسم كوش (كاسو). ولعل في ذلك ما يعني أن العناصر النوبية التي صارعها عيزانا هي غير العناصر التي تنتمي لكوش التي يدعى أنه حاكمها. في توضيح ذلك، يقول محمد إبراهيم أن منطقة الحضارة المروية في أواخر عهدها لم تعد وقفاً علي الشعب المروي. وإنما ظهر عنصر بشري جديد في المنطقة تمثل في قبائل النوبة التي بدأت تستغل ضعف المملكة المروية وتتجمع في بعض مناطقها بعد أن هجرت مواطنها الأصلية في كردفان. ويقول أن لهؤلاء النوبة الذين ورد ذكرهم في المحفورة فرعان هما: النوبة السود التي استوطنت إلي الجنوب في مناطق النيل الأزرق، والنوبة الحمر الذين تمركزوا إلي الشمال من نهر عطبرة حتى الشلال الرابع(29). وهو بحديثه هذا ينفي وجود صلة بين المرويين والنوبة، ويعتبرهم عناصر جديدة وفدت إلى النيل من كردفان قبيل انهيار مروي بقليل. إلا أن المرجح عندنا في هذا الشأن هو أن العناصر النوبية عناصر محلية تكونت منذ العصور الكوشية في المنطقة . تكونت هذه العناصر وتشكلت كنتاج طبيعي لاختلاطات كثير من العناصر السلالية المحلية والوافدة دون أن يعبر هذا الخليط عن انتماء إلى سلالة عرقية معينة. وربما يكون أولئك النوبة السود الذين استوطنوا حول النيل الأزرق في نهاية العهد المروي من الزنوج القادمين من كردفان. ولا يستبعد استنوابهم بحكم وجودهم مع النوبة الحمر. وربما رجعت هذه العناصر إلى كردفان مرة أخرى، مزودة بكثير من الثقافة النوبية وببعض من لغتها لتحتمي بالجبال إثر اشتداد غارات عيزانا عليهم، بينما تجمعت فلول النوبة الحمر لتشكل فيما بعد الممالك النوبية الثلاث.
    هذه الجماعات التي شكلت الممالك السودانية الثلاث من داخل الحدود المصرية عند الفنتين إلى حدود سنار كانت تشكل أقوى بيئة بشرية على النيل عند قدوم العرب المسلمين. ورغم إطلاق صفة النوبية على هذه الممالك، إلا أنها في الواقع ما كانت ممالك عشائرية أو قبلية، لأن العناصر التي شكلتها كانت كما ذكرنا هجيناً من أجناس كثيرة اختلف الباحثون في تحديد هوياتها العرقية، ولآنهم لا ينتمون إلى جد أعلى يحملون اسمه. ومنذ دخول التاريخ في فترة غامضة ومجهولة استجدت شكوك في أصول من عرفوا بالنوبيين بين ردهم إلى الأصول الكوشية القديمة والتي بدورها لا تشكل عناصر عرقية صافية، أو ردهم إلى عناصر إفريقية جديدة وفدت إلى المنطقة من غرب السودان. بل ظهرت مؤشرات في كتابات الباحثين العرب إلى أن هذه العناصر هي عناصر عربية جاءت إلى المنطقة من أصول حميرية كانت متواجدة في جنوب الجزيرة العربية. يشير إلى ذلك عبدالله بن أحمد الأسواني في كتابه "أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجا والنيل" يقول أن "سلها" جد النوبة و"مقرى" جد المقـرة من حمير وأنهم جمعياً من ولد حام بن نوح(30). ويصفهم المسعودي في مروج الذهب ويقول بأن "أرضهم كأنها جزء من أرض اليمن، وملوكهم يزعمون أنهم من حمير ويستولون على مقره ونوبة وعلوه ووراء علوه من السودان. ومن النوبة لقمان الحكيم"(31). ويذهب القزويني وهو يصف بلاد النوبة بأنها أرض واسعة في جنوبي مصر وشرقي النيل وغربيه، وأهلها أمة عظيمة نصارى يعاقبة، ولهم ملك اسمه كابيل يزعمون أنه من نسل حمير(32).
    على كل، كانت هناك في البيئة النيلية مجموعات بشرية عرفت بالمجموعات النوبية عند دخول العرب المسلمين. وكانت تسود بيئتهم الطبيعية بيئة حضارية مميزة، ونظم سياسية قائمة تمثلت في ممالكهم الثلاث. وفد توحدت المملكتان الشماليان في مملكة واحدة؛ نوباطيا والتي عرفت كذلك بمملكة المريس والتي كانت عاصمتها في فرس، والمقرة والتي كان مركزها دنقلا العجوز. وعند دخول العرب كانت المملكة الشمالية الموحدة، أكثر ارتباطاً بالشمال المتوسطي وبالحضارة الشرقية بوجه عام. بينما بقيت المملكة الثانية علوه تمثل رمز التواصل بالعمق الأفريقي. وكأن المملكة الشمالية كانت امتداداً لدور المملكة النبتية في علاقات التواصل مع المحيط الشمالي. وكأن المملكة الجنوبية كانت تتقمص الدور المرويٌ في تواصل السودان مع العمق الأفريقي. إنها العلاقة القدرية والمحتومة على السودان بحكم موقعه الطبيعي أن يمثل في كل دورة حضارية جسر التواصل بين الشمال والجنوب، ويكون رمز الارتباط بين حضارة الشرق والحضارات الأفريقية. إنها الهوية المقدرة على السودانيين أن يرتدوها في كل زمان شاء البعض ذلك أو لم يشأ. لقد استمر الحال في تمثل هذه الأدوار حتى بعد سقوط هذه الممالك، لتقوم الدويلات العشائرية التي ظهرت مع القبلية الجديدة بعد مجيء العرب المسلمين بالتعبير عن هذه العلاقات التواصلية مع الشمال المتوسطي والعمق الأفريقي كل حسب موقعه. وعلى ذلك كانت هناك بيئة نيلية سودانية مميزة عند دخول العرب المسلمين. إلا أنها لم تكن متماثلة إلى حد التطابق في عنصريها البشري والحضاري وفي بيئاتها الطبيعية. لذلك رأينا تقسيمها إلى بيئات فرعية ثلاث وذلك على الوجه التالي:
    1- بيئة حضرية في الشمال ذات طبيعة تجارية وزراعية، تحدد جغرافيا بالمناطق التي قامت عليها مملكتي نوباطيا والمقرة، المرتبطة حضارياً بالشمال والشرق، المنتمية بشرياً حسب اختلاف الآراء إلى تلك العناصر الكوشية القديمة التي وفدت عليها واختلطت بها أثناء الحقبة الغامضة بعد انهيار مروي، عناصر جديدة قد تكون عناصر أفريقية من الغرب السوداني أو عناصر حميرية جاءت من اليمن.
    2- بيئة حضارية في الوسط ذات طبيعة رعوية، قد تمتً عناصرها البشرية بصلة عرقية بالعناصر التي تواجدت إلى الشمال، بدلالة المفردات اللغوية المشتركة- بما فيها معاني عواصمهم؛ "سوبا" والتي على الأرجح تعني في اللغة النوبية "المدينة المشيدة" بجانب العواصم اللاحقة ،"سنار" والتي تعني المدينة القائمة على ضفة النهر، "وقري" والتي تعني البلدة القاحلة الفقيرة أو حظيرة الماشية (كري) أو "الراكوبة"*- على أن المرجح أن هذه العناصر قد دخلتها مجموعات أفريقية من الجنوب والغرب أكثر من المجموعات التي تسربت إلى الشمال، فكان ارتباطها أكثر مع العمق الأفريقي.
    3-البيئة النيلية الثالثة هي البيئة الأفريقية الصرف التي تواجدت في جنوب السودان. وهي بيئة خارجة عن إطار هذا المبحث لعدم وجود صلة مباشرة بهم بالبيئات التي تأثرت بدخول العرب المسلمين السودان وأثرت فيهم وبما ترتب عن هذا التأثير من انبعاث القبلية الجديدة في السودان الشمالي في ذلك الوقت.
    البيئتان النيليتان في الشمال والوسط دخلت عليهما لأول مرة حضارة مقدسية جديدة، تمثلت في الحضارة المسيحية التي دخلت من البوابة الشمالية في أواخر القرن السادس الميلادي. ولأول مرة في تاريخ السودان يعرف السودانيون علاقة جديدة بينهم وبين المقدسي وسلطته غير تلك العلاقات التي سادت لفترات طويلة سابقة. العلاقة الجديدة كانت تعبيرًا عن الارتباط بديانة سماوية راقية تمثل المقدسي فيها مؤسسة الكنيسة ورهبانها وقسسها. وإن كانت سلطة المقدس في الحضارة الكوشية مكوناً أساسياً في علاقات الحكام بالمقدسات وعلاقات الشعب بالحكام من منطلق التزام الجميع بسلطة المقدسات، فماذا كان دور المقدس المسيحي ورهبانه وقسسه في تجسيد تلك العلاقة؟ هل التزم الجميع في البيئتين النيليتين، حكاماً ومحكومين بهذه السلطة الروحية الجديدة كما كان الحال في العهود السابقة؟ ولعل من أهم ما يجب ملاحظته في هذا الشأن، وبخصوص سلطة المقدس، التمييز ما بين المقدس المحلي والمقدس الخارجي. ألم يأت المقدس إلي السودان في العهود القديمة من الخارج ليظهر من خلالها المقدس المحلي القادر على إلزام الكل بسلطانه؟ فهل تمكن المقدس المسيحي الوافد من الخارج من خلق رموزه المحلية لإلزام الجميع. بمعنى أخر هل ظهر المسيح المحلي الممثل في الكنيسة المحلية والراهب المحلى الذي يلتزم بسلطانه المقدسي الحاكم والمحكوم. إنها نفس الجدلية التي بدت مع ظهور المقدس الإسلامي وضرورة خلق الفقيه النوبي كشرط لقبول سلطانه على مستوى الحاكمين والمحكومين.
    دخلت المسيحية البيئة النيلية الشمالية مدفوعة من الشمال المهيمن رومانياً، وبلغة غريبة عليهم وبمؤسسة كنسية وافدة. ظلت هذه العناصر التي تمثل المقدس المسيحي أجنبية في أرض النوبة ولم تكن تعمل لنمو الثقافة المسيحية المستقلة في البلاد(33). وبجانب اغتراب المؤسسة الكنسية فأنها كانت ممزقة من جراء الاختلافات المذهبية بين الكنيستين البيزنطية والمصرية وبين طائفتي اليعاقبة والارثودكس . كما أدى الفساد الذي دب في أوساط القسس والرهبان إلى عدم الثقة فيهم وبالتالي عجزهم عن تغيير حياة الناس نحو الأفضل(34).
    ورغم أن ملوك تلك الممالك حاولوا إمساك السلطتين الدنيوية والروحية وأن يصبحوا قساوسة وسياسيين في نفس الوقت(35)، إلا أن مزاولتهم لسلطة المقدس من منطلق نظام ديني قائم علي تعاليم وطقوس مستوردة من الكنيسة القبطية بمصر وباللغة الإغريقية، لم يؤد إلى بلورة "الديني" والتحامه "بالسياسي" و"الاجتماعي"على الوجه الذي كان سائداً في الحضارات الكوشية. وقد يضاف إلى أسباب ذلك، بجانب اغتراب "الديني" مؤسسة ولغة، عامل الزمن الذي لم يتجاوز القرن الواحد حتى داهمت المنطقة ملامح حضارة جديدة كانت أكثر حظاً في الانتشار محلياً وعبر رموز محلية . وربما لو تأخر الزمن قليلاً ، لتم خلق الراهب النوبي الذي كان عليه أن يواصل دوره في نقل حضارة الشمال إلي الجنوب مثلما فعل الكوشيون من نفس الموقع من قبل وبما يماثل دور الفقيه النوبي المسلم من بعد ، حين حمل راية الإسلام إلي الوسط السوداني*.
    إذاً يمكن القول بأن الممالك النوبية لم تكن على الهوية المسيحية مثلما كان الحال في دول أوربا في القرون الوسطى . كما وأن "مقدسه "كان عاجزاً عن أن يتقمص "السياسي" ويوجب الإلزام من منطلق نظرية المقدس العادل حين ظل مغترباً عن العامة ومنفصماً كرمز طبقي في مجتمع تعددت طبقاته ما بين أرستقراطية سياسية حاكمة ، ونبلاء إقطاعيين، وعمارة عسكرية انتظمت على حساب العمارة الدينية وطبقة رجال الدين من القسس والرهبان. فقد كانت مملكة علوه كما يصفها أحد الباحثين، تتمتع بنظام ذي أيديولوجية إقطاعية عسكرية علمانية، تقوم على بنية من القوانين والتعهدات والالتزامات(36).
    ثانياً: البيئة الصحراوية
    تعتبر الصحراء الثابت الثاني في حياة أهل السودان بعد النيل. وتشكل مكوناً هاماً من مكونات حركة التاريخ السوداني بكل ما تتضمنها من بيئة بشرية وحضارية. ولعل في تعميم التسمية مطلقاً على هذه البيئة الممتدة شرقي النيل حتى البحر الأحمر، ومن غربيه إلي حدود السودان غرباً، ومن حدود السودان الشمالية إلى خطوط الأمطار عند بدايات السافنا الغنية جنوباً، فيه شيء من المغالاة. فهي ليست صحراء بكلياتها، بل تتخللها كثير من السهوب والأودية والواحات المنتشرة والبوادي التي ترتادها عناصرها البشرية. كما وأنها ليست وعرة المسالك كما هي الحال في الصحراء الكبرى أو صحراء كلهاري، وهذا ما يسهل أمر التواصل والاتصال بين عناصرها السكانية. تنقسم هذه البيئات إلى بيئتين رئيسيتين متميزتين: الصحراء الشرقية التي تضمن بيئة البجا البشرية. والصحراء الغربية والتي كانت تتضمن بيئة بشرية من القبائل الأفريقية المحلية المختلطة من الزنوج والحاميين الشرقيين عند دخول العرب*. كما وأن هذه البيئة تتميز في أجزائها الجنوبية بهطول أمطار موسمية وتجمعها في برك عديدة وحفائر منتشرة على أجزاء واسعة من أراضيها. فكانت منذ آماد بعيدة مصدراً للفيء ومرتعاً للحلال ومكمناً للكثير من الثروات المعدنية. فلا غرو والحال هكذا أن تجذب هذه البيئة، وعلى عكس الحال عن معظم البيئات الصحراوية، عناصر بشرية وتستقر فيها قبائل وبدنات. وتعمر فيها الفرقان والقرى وعرائس المدن وتزدهر فيها ممالك وسلطنات. فجمعت بين بداوة الرحل الجوالة واستقرار الحضر من أهل الزراعة والتجارة وأرباب الحرف والصناعة.
    أ: بيئة الصحراء الشرقية وخصائص البجا
    بيئة الصحراء الشرقية تنقسم بدورها إلى بيئتين فرعيتين حسب البيئة الطبيعية. وقد كان لكل بيئة فرعية من هذه لبيئات دور خاص في اجتذاب الوافدين من العرب المسلمين. الأجزاء الشمالية التي تتميز بطبيعة جافة تندر فيها المصادر المائية، تشكل بيئة فرعية خاصة ضمن بيئة الصحراء الشرقية. والأجزاء الجنوبية المميزة بوجود العديد من الأنهار الموسمية نتيجة لهطول الأمطار الموسمية، تشكل بيئة فرعية أخرى لها خصائص تختلف عن خصائص البيئة الفرعية الشمالية. والصحراء حسب هذا التقسيم الفرعي يماثل الصحراء الغربية إلى حد كبير. البيئة الصحراوية الشرقية الشمالية تمتد ما بين النيل والبحر الأحمر من شمالي نهر عطبرة إلى حدود البلاد الشمالية. تتميز هذه البيئة في طبيعتها الجغرافية بوجود كثبان رملية تتخللها سهوب منبسطة وفجوات طينية تتسع في بعض المناطق وتضيق في مناطق أخرى. وما بين الكثبان والسهوب تمتد سلاسل جبلية حتى تكاد تلتحم بالنيل وتبرز قممها حتى داخل الجزر في المناطق الشمالية من الأراضي التي تعرف بأرض الحجر. إلى الشمال من أبي حمد تمتد مفازات العتمور القاحلة التي تكاد تنعدم فيها الحياة إلا من بعض جوالي الصحراء الذين يتنقلون عبرها بتجارتهم بين بربر وكورسكو. ورغم هذه الطبيعة القاحلة، فقد سادت فيها بيئة بشرية مميزة ما زالت تلعب دوراً مميزاً في مكونات الهوية السودانية.
    عند دخول العرب المسلمين، كانت هذه البيئة تشكل بيئة حضرية ذات هوية مميزة بجانب البيئات الحضارية الأخرى. تمثلت البيئة البشرية هنا في العناصر البجاوية التي أكدنا على علاقاتها بجزيرة العرب في عصور سابقة لظهور الإسلام. عاشت هذه المجموعات البجاوية في هذه البيئة ومنذ أقدم العصور كواحدة من أقدم العناصر البشرية الأفريقية غير السوداء مشكلة بيئة بشرية هامة بجانب البيئة البشرية التي عرفت بالنوبيين. ومثلما اختلف الباحثون في أصول

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أغسطس 17, 2018 3:37 pm